شركة أعمال: قطاع الرعاية الصحية يشهد نقلة نوعية كبيرة
رأي حول تطور قطاع الرعاية الصحية في دولة قطر
"شركة أعمال"
يشهد قطاع الرعاية الصحية في قطر تحولات جذرية طالت مختلف النواحي. وخلال العَقْد المنصرم شهد هذا القطاع المهم نقلة فارقة ومتسارعة في المعايير، إلاّ أن المراقبين يتوقعون أن يشهدَ القطاع ذاته تحولاً كاملاً خلال الأعوام القليلة المقبلة. فخلال شهر يوليو الفائت أعلنت الشركة الوطنية للتأمين الصحي عن بدء المرحلة الأولى من برنامج التأمين الصحي الإلزامي الذي يضع المنظومة الصحية القطرية على عتبة مرحلة غير مسبوقة من النمو المتسارع - في ميزانيتها ومرافقها ومعاييرها، ويشرّع الأبوابَ لمشاركة الشركات والمؤسسات الخاصة ذات التنافسية العالية. وسيصبّ كل ما سبق حتماً في مصلحة المواطنين والمقيمين الذين سيلمسون النقلة الفارقة في معايير الرعاية الصحية في قطر. وأشاد اقتصاديون بمثل هذا التحوّل الهائل في منظومة الرعاية الصحية القطرية مؤكدين أن قلة قليلة من بلدان المنطقة تملك ذات الرؤية الاستشرافية الطموحة. مثل هذه التطورات ستكون ملموسة في حياتنا اليومية، غير أن جانباً مِفْصَلياً سيكون خفياً يتمثل في إدارة المعلومات المتعلقة بالمنظومة الصحية والمستفيدين منها.
ويرتكز هذا التحوّل الهائل والشامل في منظومة الرعاية الصحية إلى ما أوردته "رؤية قطر الوطنية 2030"، وتحديداً ركيزة التنمية البشرية. وفي نفس السياق، صيغَت "استراتيجية قطر الوطنية الخاصة بتطوير نظام الرعاية الصحية (2011-2016) بما يضمن لكافة المقيمين في قطر رعاية طبية بمعايير عالمية رفيعة، التي من المتوقع أن تتوسّع لمواكبة التركيبة السكانية متعدّدة الجنسيات في البلاد والتوقعات التي تشير إلى بلوغ تعداد سكان البلاد أربعة ملايين نسمة مع نهاية هذا العَقْد.
ويمثل برنامج نظام التأمين الصحي الاجتماعي الحافز المباشر للتحوّل الوشيك في منظومة الرعاية الصحية القطرية، إذ سيترتب عليه ثلاثة تطورات محورية هي: إتاحة الرعاية الصحية بمعايير عالمية لكافة المقيمين في قطر، الارتقاء بتلك المعايير على الصُّعد المختلفة، وتفعيل دور شركات الرعاية الطبية الخاصة عبر تمكينها من المنافسة، الأمر الذي سيعزز الخيارات العلاجية المتاحة للقطريين والمقيمين في قطر. وفي الأمد البعيد، من المؤمّل أن يسهم ما سبق في تعزيز الوقاية والتوعية بكافة أبعادهما.
وفي الوقت الراهن، تدير وتشرف الهيئات الطبية الحكومية على منظومة الرعاية الصحية في قطر، إلاَّ أن معايير الرعاية الطبية تتفاوت بتفاوت المنطقة التي يقطنها المريض وطبيعة مرضه والعناية التي يتطلبها. ووفقاً لتقرير المجلس الأعلى للصحة لعام 2012، تعتزم قطر تشييد ما لا يقلُّ عن تسعة مستشفيات جديدة إلى جانب ثمانية عشر مركز رعاية صحية أولية في أنحاء البلاد خلال الفترة من عام 2013 إلى عام 2021 في إطار الجهود الدؤوبة المبذولة لتوحيد معايير الرعاية الصحية الأولية على امتداد المناطق المختلفة في قطر.
وفي الوقت ذاته، سيتّسع نطاق خدمات الرعاية الطبية المقدّمة للجميع، فمن المرجّح أن يزداد عدد العيادات الخارجية، وأن يزداد عدد الأخصائيين في تخصصات دقيقة بل وبالغة الدقة مثل الأورام وأمراض القلب وجراحة المسنِّين وغيرها. ومن المتوقع كذلك إيلاء الاهتمام المستحق، في مرحلة لاحقة، لمفهوم الرعاية الطبية المنزلية. وفي موازاة ذلك، ستتوافر أحدث العقاقير الدوائية وغرف العمليات المجهَّزة بأحدث التقنيات.
وفي هذا السياق، لا تخفى الأهمية البالغة للمنافسة وتمكين القاطنين في قطر من الاختيار، إذ يتيح نظام التأمين الصحي للمرضى الاختيار بشكل أفضل بكثير مما عليه الحال اليوم، وسيتمكن المريض من اختيار المؤسسة العلاجية والطبيب المعالِج. وفي المستقبل المنظور، ستضطلع مؤسسة حمد الطبية بالدور الأبرز في مجال تقديم الرعاية الصحية. ومن المتوقع كذلك ظهور مؤسسات أخرى من القطاع الخاص، بدءاً من المستشفيات التي تقدّم خدمات طبية متكاملة، ووصولاً إلى العيادات التي تقدّم خدمات متخصصة مثل علاج الإدمان على سبيل المثال. ومن الأمثلة الحاضرة في الأذهان الشراكة التي أُبرمت مطلع هذا العام بين شركة أعمال وفيفانتس إنترناشيونال ميدسن التي تمثل أكبر منظومة مستشفيات متكاملة في ألمانيا، لتشييد مركز للعيادات الطبية الخارجية في الدوحة.
وتقوم رؤية الحكومة القطرية لقطاع الرعاية الصحية على تطبيق أفضل المعايير العالمية، بل والالتزام بها على نحو مُستدام. ولا يختلف اثنان على الأهمية البالغة للمعلومات وإدارتها من أجل تحقيق ما سبق. لذا، تعتزم قطر تطبيق نظام موحَّد للمعلومات، ويُقصد بذلك أن يكون للفرد الواحد سيرته المرَضيَّة التي يمكن للأطباء الاطلاع عليها كلما وأينما راجَعَ مؤسسة طبية أو علاجية. ولا تقتصر أهمية مثل هذا النظام الموحَّد على ذلك، بل سيعتمد عليه صناع القرار لمعرفة ومتابعة أدق تفاصيل منظومة الرعاية الصحية وإدارة ميزانيتها ومرافقها بالشكل الأمثل.
وبالمثل، لا بدَّ من أتمتة منظومة الرعاية الصحية بما يحقق الفائدة القُصوى لكافة المقيمين في قطر. وفي هذا السياق تم بالفعل تطبيق دراسة تجريبية لنظم معلومات المستشفيات في قطر بهدف تدشين النظام الموحَّد في عام 2015. ومن شأن غرف العمليات الرقمية أن تمنح الطواقم الطبية معلومات دقيقة وسريعة بشأن المرضى والتدابير العلاجية التي خضعوا أو يخضعون لها. وفي هذا الإطار، أطلقت أعمال الطبية أول نظام صيدلاني آلي في قطر بما يحدُّ من الأخطاء البشرية المحتملة عند صَرْف العقاقير الدوائية من جهة، ويسرّع توزيعها من جهة ثانية. بدورها، ستشرع ابن سينا الطبية، التابعة أيضاً لمجموعة أعمال، بتشييد مستودعات للأدوية بالمنطقة الصناعية تُعَدُّ الأكثر تقدماً من الناحية التقنية في قطر.
وتمثل مثل هذه المبادرات امتداداً طبيعياً لمسيرة الإنجاز التي شهدها ويشهدها قطاع الرعاية الصحية في قطر. ونشدّد مجدداً على أهمية المعلومات في تحقيق التحوُّل الهائل المنشود في هذا المجال. وعندما سنقيّم ذاتَ يوم منظومة الرعاية الصحية القطرية ومدى نجاحها في تحقيق أهدافها، لا بدَّ أن نتوقفَ عند كيفية إدارتها لنظم المعلومات وتسخيرها بالشكل الأمثل بما يوفر الخدمة المثلى للمرضى في قطر.